فضائل التعليم المنزلي

لماذا، يا خديجة، اخترتِ التعليم المنزلي؟ هل تقومين به بعد رجوع أبنائك من المدرسة أم أن أبنائك لا يذهبون إلى المدرسة إطلاقاً؟ ألن يخفق أبنائك اجتماعياً؟ و ماذا عن الشهادة؟ كيف تعلمينهم؟ من أين لك بالمناهج؟ لا بدّ إذن أنّك مدرّسة! ألا يشعر أبنائك بالحرمان لعدم ذهابهم إلى المدرسة مثل أقرانهم؟ و ماذا عن الجامعة؟!

تساؤلات كثيرة حول التعليم المنزلي جمعتها كلها في هذه التدوينة ليسهل عليك، أيها القارئ، الرجوع إليها، و إن ورد لك سؤال آخر لا تنس أن تكتبه في خانة التعليقات أسفل المقال.

أتمنى لكم قراءة ممتعة ولا تنسوا مشاركة هذا التدوينة مع من تحبون. 

أولاً: لماذا اخترتُ التعليم المنزلي؟

التعليم المنزلي نظام بديل لنظام المدرسة المعتاد، بمعنى أن أبنائي لا يذهبون إلى المدرسة و إنما يبقون معي حيث أتولى أنا العملية التعليمية، و بالطبع لن أستطيع الثبات على هذا القرار بغير دعم والدهم من جميع النواحي. 

أما عن سبب اختيارنا للتعليم المنزلي فقد اخترنا نحن هذه الطريقة في تعليمهم بسبب عدم رضانا عن النظام المدرسي، و هذا هو الباعث العام عند جميع الأسر التي تعلّم منزلياً و إن كان سبب عدم الرضى يختلف من أسرة لأخرى. و إنه من العجيب حقاً ان عدم رضاي عن النظام المدرسي وقت اتخاذنا للقرار كان يتمثل في سببين فقط، أما الآن فأستطيع أن أسرد على الأقل خمسة أسباب تجعلني غير راضية عن التعليم المدرسي بمفهومه الحالي. فكأني كلما طالت تجربتي في التعليم المنزلي أجدني أتعرف على أسباباً جديدة للثبات على هذا الطريق. و لعل بدايات إيماني بطريق التعليم المنزلي هي امتدادٌ لإيماني بأسلوب التربية بالارتباط. فالطفل الصغير بحاجة إلى حنان أبويه و قربهما و استطاعته ملامستهما و الذهاب لهما متى ما أراد، وذلك ليكبر -بإذن الله- واثق الخطى مطمئناً باستجابة والديه لاحتياجاته غير خائف من أنه سوف يُبعد عنهما لساعات بشكل يومي. 

قد تسأل، ما هي مآخذك على النظام المدرسي؟ أليست المدرسة باباً للمستقبل ومكانا للمعرفة؟

أقول لك، هدفي الأساسي من التعليم المنزلي هي تربية أبنائي -بإذن الله- على حب العلم وحب طلب العلم، و لم أجد في النظام المدرسي للأسف ما يشجع الطفل على محبة العلم و الرغبة في الاستزادة منه. بس على العكس، فالمدرسة غالباً تقتل حب العلم الذي فُطر عليها الطفل. وما أن يصل هذا الطفل إلى مراحل الابتدائية حتى يصبح محباً للإجازات والتغيب عن المدرسة، وما أحزن أن يُبغض الطفل صرحاً مرتبطاً في ذهنه بالعلم والمعرفة. 

والحقيقة هي أني أتفهم امتعاض أكثر طلاب المدرسة. فنظام المدرسة مصمم لكي يكون مقاس واحد يسع جميع الطلاب بغض النظر عن اهتماماتهم وميولهم الفردية، أما التعليم المنزلي فإنه يأخذ بعين الاعتبار ميول الطفل واهتماماته وقدراته الفردية. فإن أصبح الطالب مهتماً بموضوع معين أو مادة معينة فإنه يستطيع التبحر فيه برفقة المسؤول عن العملية التعليمية (الأم أو الأب) حتى يتشبع وتُروى رغبته في المعرفة. وهذه النقطة مهمة جداً عند الحديث عن قدرات الطفل الفردية، فمثلا، الفصل الدراسي مهيئ لأن يحفظ جميع طلاب الصف الثالث جدول الضرب، مع أن هناك من طلاب الصف الثالث من لم يصل مرحلة إدراك عملية الضرب في الرياضيات، وهذا طبيعي جداً فنحن أفراد لدينا درجات متفاوتة من الإدراك. فيكره هؤلاء الطلبة مادة الرياضيات و تستمر معهم هذه العقدة طول حياتهم فقط لأن جدول الضرب قدم لهم في وقت مبكر جداً، بينما لو أُخّر لهم نفس هذا الدرس بضعة أشهر فقط أو عند وصولهم مرحلة الاستعداد لاستسهلوا الدرس و فهموه كما ينبغي. 

وأتركك أيها القارئ مع مثال آخر، تخيل معي طالب في درس الإنشاء قد بدأ بكتابة قصة وأبدع في حبكها مستلذّ تماما بسرد الأحداث وتخيل أجزاء القصة. ثم يرن الجرس فجأة معلناً نهاية درس الإنشاء، ويرغم صغيرنا الذي وجد المتعة في كتابة قصته على إغلاق الدفتر والانتقال للمادة القادمة بدون اعتبار رغبته الملحة في إنهاء القصة والتحليق في خياله الواسع. فيحصل المتوقع. يكبر هذا الصغير ويتعلم كيف يتجاهل شغفه و رغباته و قدرته على التفكير ليقوم بما هو مطلوب منه: أن يصبح وصلة أخرى في خط المصنع تماماً كما رجل الآلة.   

والحديث عن ميول الطالب الفردية يجر موضوع الوقت، فما أكثر الساعات التي يضيعها الطالب المدرسي. يأخذ ساعة ليتنقل كل صباح من منزله إلى المدرسة، ثم يأخذ ساعة أخرى ليعود فيها إلى المنزل بعد أن انتظر نصف ساعة ليركب السيارة أو الحافلة، وربما تضيع ساعة هنا وهناك في حصص الفراغ وانتظار المعلم وووو. فتكون النتيجة هي أن الطالب المدرسي قد طلب العلم لساعتين فقط بينما بقي خارج المنزل لمدة ست إلى سبع ساعات. أترى ـأيها القارئ- كم أهدر هذا الطفل من وقته في الانتقال والانتظار؟ ولو جمعنا كل هذه الساعات المهدرة ونظرنا إلى كمية المعرفة التي حصل عليها الطالب في سنواته الاثني عشر لوجدنا أنه كان بإمكانه أن يتمها في سنتين. 

عندما أختار نظام التعليم المنزلي فإني أختار الحفاظ على وقتي ووقت أبنائي. عندما أختار التعليم المنزلي فإني أجاهد لكي أزرع في أبنائي أن العلم ليس له وقت أو مكان. العلم ليس مرتبط بمدرسة أو دوام، وإنما هو أسلوب حياة. طلب العلم ليست مواد تحفظ لاجتياز الاختبارات، أو كتب مدرسية تغلق لأننا في إجازة، أو تخطيط ومعلومات مقدمة لا بد للطالب أن يحفظها مكرهاً، بل هو تعطش للعلم ثم كفاح لإرواء العطش. العلم هو الحياة.

عندما أعلم أبنائي منزليا فإنه ليس هناك من هو أحرص عليهم مني. أمومتي وحدها تجعل مني أفضل مدرس لهم على الإطلاق حتى في أسوأ أيامي، وليس هناك معلم في مدرسة مهما برع في عمله أحرص عليهم مني لأني ببساطة أمهم. ألا يقلّد الصغير أبويه من غير أن يقال له “افعل” أو “لا تفعل”، فكيف إن جلس هذان الأبوان مع هذا الطفل وتعرفوا عليه بقصد تعليمه؟

قد تقول: علمي محدود ولا يكفي لتعليم أبنائي. أجيبك بأن علمنا جميعاً محدود، ولذلك فإني لا أعلمهم، بل أدير العلمية التعليمية وهناك فرق كبير بين المصطلحين. فإن الطفل – وبالذات إذا بدأ بالقراءة المبكرة – ما أن يصل إلى سن الخامسة حتى يكون متفوقا على أبويه بحفظ الحقائق وسرد المعلومات التي على الأغلب تكون جديدة عليهما. هل تعلمين يا ماما أن النحلة تشم من رجلها؟ هل تعلمين أن العالم المسلم عباس ابن فرناس قفز من جامع قرطبة وحلق في السماء لمدة عشر دقائق؟ قرأت يا ماما عن ذكر الغوريلا بأنه أب حنون ويربي أبنائه بخلاف أكثر الحيوانات. 

 هل يُجلس الأبوين طفلهما بغرض حفظ هذه الحقائق؟ طبعاً لأ، فهذه المعلومات نتاج قراءة الطفل الفردية ورغبته في المعرفة، والطفل إذا أحب العلم ولم يره عبئاً فإنه يبقى على فطرته متعطشاً للعلم والمعرفة وليس على الوالدين سوى إحاطته ببيئة ثرية تعينه على طلب العلم والابتكار ثم توجيه هذا العطش المعرفي.

أسمعك تسأل -أيها القارئ- عن مهارات الطفل الاجتماعية؛ كيف يتعلم هذا الطفل كيف يخالط الناس؟

بداية، دعونا نتفق أن مصطلح التعليم المنزلي مصطلح غير دقيق و يستعمل للإشارة إلى أي تعليم خارج إطار المدرسة و إن لم يكن هذا التعليم قد تم -بالضرورة- داخل البيت. ثم إن التعليم المنزلي هو تعليم و ليس حبس، بمعنى أن مصادرنا للتعلم مختلفة جدا. فهناك تعلم داخل المنزل، و هناك تعلم في المتاحف و الغابات و الحدائق و عند زيارة الأصدقاء و الذهاب إلى الأندية و اجتماعات الأسر المعلمة منزلياً. و كل هذه فرص لأن يصقل الطفل مهاراته الاجتماعية و يكوّن صداقات بطريقة فطرية بحسب ميوله و ليس بحسب عمره. 

و نظراً لأن الأسرة المعلمة منزليا غير مقيدة بوقت دوام مدرسي فإنها تستطيع الإكثار من خلق هذه الفرص لأبنائها إذا أرادت. فإذا ذهب الطفل المتعلم منزلياً إلى المتحف و خطر له سؤال فإنه يتعلم كيف يذهب إلى المرشد و يسأله، و يصبح هذا المرشد هو معلم اللحظة و يكون هذا الطفل قد مارس مهاراته الاجتماعية مع شخص أكبر منه بطريقة طبيعيةً. وعندما يذهب إلى الحديقة فإنه يلعب مع من حوله من الأطفال و يتعلم كيف يفاوض و يخالط الآخرين. أما في نادي القراءة أو البرمجة فإنه يكوّن صداقات مع من هم أكبر أو أصغر منه سناً لأن محبة البرمجة أو الكتب قد جمعتهم. فالطفل هنا يتعلم المهارات الاجتماعية بطريقة طبيعية جداً تحاكي الحياة الواقعية، بخلاف لو أتيتُ ووضعتُ جميع الأطفال الذين هم في سن السابعة في مكان واحد ليس لشيء سوى اشتراكهم في العمر، ثم طلبت من هؤلاء الأطفال مصادقة بعض و الجلوس مع بعض و التعلم مع بعض بغض النظر عن مستوياتهم المتفاوتة و ميولهم و اهتماماتهم المشتركة. وعلاوة على هذا كله، أبقيتهم على هذا النظام الفاصل بحسب العمر لمدة اثني عشرة سنة. بعد ذلك، أطلقتهم للحياة الواقعية التي لا تشبه النظام المدرسي الذي اعتادوا عليه. 

هناك سؤال رابع يأتيني بكثرة؛ ألا يشعر أبنائك بالحرمان لأنهم لا يذهبون إلى المدرسة؟

أبداً لأ، وعلى العكس، فإنهم يتعجبون من ذهاب أقرانهم إلى المدرسة بلباس موحد في وقت واحد من دون آبائهم و أمهاتهم، و يتعجبون من عدم تعليم أمهاتهم و آبائهم لهم. أبنائي يعلمون بالضبط أسبابنا للتعليم المنزلي، و لديهم أصدقاء مقربين مثلهم يتعلمون منزلياً و يتشاركون الكتب و الألعاب، وجميعهم  يدركون الحرية التعليمية التي لديهم بسبب تطبيقنا للتعليم المنزلي، و هذا توفيق محض من الله و فضل.

قد تقول، أنا معجب بنظام التعليم المنزلي، و لكن لا خيار لي سوى إلحاق أبنائي في المدارس النظامية، هل أستطيع الجمع بين النظامين؟

طبعاً تستطيع ذلك! فالتعليم المنزلي مرن، و لا يشترط أن يكون تعليم منزلي محض لكي يسمى تعليماً منزلياً، فكل تعليم خارج إطار المدرسة يسمى تعليما منزليا. فانطلق مستعيناً بالله وضع الأهداف التعليمية التي ترغب في تعليمها لأبنائك نصب عينيك، و احرص على أن تكون فقرات التعلم ممتعة و شيقة لكي ينشأ أبنائك -بإذن الله- محبين للعلم و أهله.

هذا كتاب جيد يحتوي على خطوات عملية سهلة للبدء بالتعليم المنزلي سواء أكان أبنائك يذهبون إلى المدرسة النظامية أو لا.

و ماذا عن الشهادة؟ كيف يحصل طفلي على الشهادة إذا علمته بنفسي؟

لن أتحدث هنا إلا عن النظام البريطاني لعلمي به. فإذا كان الجديث عن التقديم للجامعة، فإن الجامعات تتطلب الكفاءتين المتوسطة و الثانوية. و المتوسطة البريطانية و كذلك الثانوية البريطانية عبارة عن اختبارات يقدمها الطالب سواء عن طريق المدرسة أو كطالب مستقل، فلا يحتاج أن يكون ملتحقاً بمدرسة نظامية لكي يسجل لهذه الاختبارات. و جميع اختبارات الكفاءة المتوسطة و الثانوية البريطانية مقدمة من مجلس الثقافة البريطاني و لها فروع متعددة حول العالم و في أغلب العواصم، فمتى ما وجد فرع لمجلس الثقافة البريطاني وُجدت هذه الاختبارات. فيسجل طالب التعليم المنزلي كطالب مستقل لهذه الاختبارات متى ما يرغب بأخذها، ثم يقدم أوراقه للجامعة بنتائجه المكتسبة مثل أي طالب مدرسي. و قد يتقدم للجامعة في سن أصغر من طلاب المدرسة أو في سن أكبر متى ما انتهي من هذه الاختبارات، فالعبرة في الحصول على الكفاءتين و ليس بعمر محدد. 

أظن أني هكذا انتهيت من الإجابة على الأسئلة المكررة التي أتذكرها، و سوف أضيف أية سؤال جديد عن التعليم المنزلي -بإذن الله- إلى هذه التدوينة.

و ختاماً، من الجدير بالذكر أن التعليم المنزلي مع مناسبته لي و لأسرتي حالياً كنظام تعليم، فإنه حتماً لن يناسب الجميع، و قد لا يناسبني أنا بعد خمس سنوات، و العلم عند الله. و لذلك فأنا لست مع إلغاء المدارس أبداً، و لكني أقف مع حرية الاختيار و تقنين التعليم المنزلي لمن يريد تطبيقه مع أبنائه. و أقف كذلك مع تعليم الأبوين -و بالذات الأم- لأبنائهما و عدم الاقتصار على المدرسة النظامية حتى في حال كانت المدرسة النظامية قانونا مفروضا. فليس هناك مدرسة مهما بلغت “جودتها” و “سمعتها” تحرص على بناء الطفل و تربيته و تعليمه لكي يصبح إنساناً سويّا محباً للعلم و عابداً لله كما ينبغي. و في الوقت نفسه فإنه لا أعرف بالطفل من أمه و خاصة إذا اقتطعت من يومها وقتاً تتعرف فيه على هذا الصغير و تعلّمه و تربيه و تتعرف على مفاتيحه، كيف يتعلم هذا الطفل؟ ما يحب؟ ماذا يريد أن يعرف؟ كيف يفكر هذا الطفل؟

 سأتوقف إلى هذا القدر -أيها القارئ- عن الحديث عن التعليم المنزلي، وأعتذر عن الإطالة، وأأسف على الأخطاء اللغوية فالعربية على محبتي لها ليست لغتي الأم، و أشكر لك حسن صبرك، و قراءتك لما أكتبه، و أراك في منشورة قادمة بإذن الله.