وَلدت في بيتي!

لطالما آمنت بأن الله خلقنا نحن الأمهات معابر لحياة جديدة، و لذلك فجسم الأم بطبيعته يعرف كيف يخرج الطفل من رحمها ليصل إلى حضنها بلا تدخل طبي (في أغلب الأحوال). و على العكس، فإن التدخلات الطبية بغير سبب يمكن أن يزيد من نسب التدخلات الطبية التي ربما تحتاجها الأم فيما بعد.

كنت مؤمنة من صغري بأنه عندما يحين الوقت لكي أصبح أما، فإن جسمي بإذن الله سوف يعرف ماذا يفعل لكي يخرج طفلي إلى هذه الحياة بدون أي تدخل طبي. قرأت كثيراً عن الولادة الطبيعية، و كما في رحلتي مع التعليم المنزلي، استلهمت كثيراً من والدتي التي زرعت فيّ الإيمان بقدرة جسمي على الولادة بلا تدخل، فقد كنت أنا ولادة منزلية في لندن قبل ٣٠ عاماً.  و لمن يخاف من ألم الولادة الطبيعية أقول لهم، في ولاداتي الثلاث، لم ينتهي الشهر الأول بعد الولادة إلا و قد كنت قد نسيت آلامها تماما.

خلاصة القول هو أننا نحن البشر ننتمي إلى فصيلة الثدييات، و عليه  فنفضل الولادة في أماكن مظلمة و مريحة و خصوصية تماماً مثل بقية الثدييات (غالب الثدييات تبحث عن أماكن مظلمة و مريحة لتلد فيها- هل رأيت قطة تلد أو تحاول البحث عن مكان للولادة؟). و أتذكر أني قد قرأت مرة أن الخصوصية أثناء الولادة تساعد جسم الأم على إطلاق الهرمونات التي تساعدها على الولادة و التي منها هرمون الأكسيتوسين (تعدد الطاقم الطبي لا يدع مجالا للخصوصية أبداً). و في المقابل،  فهرمون الأدرنالين الذي يطلقه الجسم أثناء التوتر أو الخوف يحارب المخاض و لا يدع الجسم يتقدم في مراحل المخاض. فإن كانت الأم متوترة أو خائفة و غير مرتاحة (بالله فكروا في الألوان البيضاء الموجودة في غرف الولادة و الأسرة التي لا تخفف من خوف الأم بل تزيده) كأن يدخل عليها طبيب/طبيبة سيئة فإنها لن تتقدم في الطلق بسبب إفراز جسمها لهرمون الأدرانالين. ثم تبدأ سيل التدخلات الطبية التي كثيرا ما تنتهي بقصص ولادة مفجعة.

حملت بابني عثمان و بحثت عن طبيبة أو قابلة في الرياض تؤمن برؤيتي و تعدني على الموافقة على خطة الولادة. طلبت في خطتي ألا يتم إعطائي أي مسكنات للألم، أن لا يكون هناك أي تدخل طبي إلا عند الضرورة، و أن لا يعطى ابني حليب صناعي. طلبت كذلك القص المتأخر للحبل السري لما في ذلك من فوائد للجنين، و أن يبقى بجانبي في جميع الأوقات و لا يؤخذ إلى الحضانة (جميع الفحوصات تمت في الغرفة). ولدت ولادتي الأولى و ولادتي الثانية بغير مسكنات و لكن التجربتين لم تكونا مرضييتين تماماً. كانت الآلام شديدة و كان الجو في غرفة الولادة متوتراً لأن الطاقم الطبي لم يكن راضيا عن رفضي للبس مقياس النبض و رفضي كذلك الاستلقاء- و كيف لي أن أركز على الولادة في جو مشحون أحس فيه أن الطاقم يعمل ضدي و ليس مع رغباتي؟ أرغمت وقت الولادة على الاستلقاء على ظهري و لا أحدثكم عن غضبي إلى اليوم عن هذه الطريقة للولادة! فوضعية الاستلقاء على الظهر تنافي قانون الجذب – كيف للجنين أن يسير في قناة الولادة و الأم مستلقية على ظهرها لا تستطيع الحراك لساعات قبل الولادة بسبب المقياس الذي يجس نبض الجنين؟ ثم إن الاستلقاء وقت الولادة لا يدع للجسم فرصة ليجد وضعية مريحة أكثر عند الطلق، فتكون الطلقات مؤلمة أكثر مما ينبغي و يكون جل التركيز على الألم و ليس على البحث عن الراحة و استقبال الطلق الذي سوف يقربني من لقيا طفلي. و على العكس، فالمشي و الحركة و الجلوس على كرة الولادة أو النزول من الدرج بطريقة العرض مع التنفس المركز كلها أمور تساعد الجنين على السير في قناة الولادة (قانون الجذب) و تخفف من آلام الطلق.

انتقلنا إلى إيرلندا و حملت بصغيرتي دانية. راودتني فكرة الولادة في بيتي و شجعتني عليها صديقة مقربة خاضت التجربة هنا. أثناء موعدي الأول في المستشفى، أخبرت الطبيبة أني أريد أن أحول إلى مسار الولادة المنزلية، و كنت أعلم وقتها أن الولادة المنزلية مع قابلة مرخصة تعمل في المستشفى لن تتم إلا إذا اجتزت جميع الفحوصات و لم يكن هناك أي مخاوف صحية علي أو على جنيني. اجتزت بفضل الله جميع الفحوصات و أعطيت الإشارة الخضراء للولادة المنزلية.

كنت سعيدة جداً و خائفة في نفس الوقت. كنت مقتنعة بالولادة المنزلية بقوة و لم تكن هذه ولادتي الأولى لكننا للأسف اعتدنا على على أن المستشفى هو المكان الأنسب للولادة و هذه البرمجة متغلغلة داخل عقولنا، و لو فكرنا فيها فالأم التي تلد ليست مريضة، فلماذا تدخل المستشفى و تعامل معاملة المريض؟ أعلم أن هناك حالات استثنائية و لكن غالب النساء يجيدون الولادة بصورة جداً طبيعية و بلا تدخل طبي و بدون الحاجة للمستشفى.

اقتربت من موعد الولادة و كان طاقم القابلات يأتون إلى منزلي لإجراء المواعيد و فحص الجنين و نقل الأدوات و العدة الطبية التي قد يحتاجونها (لا قدّر الله)، ففي مسار الولادة المنزلية لا يُطلب من الأم المجيئ إلى المستشفى في الأشهر الأخيرة.

تعرفت على القابلات في بيتي. كنت أقدم لهم طعاما في كل زيارة و كنا نجلس و نتجاذب أطراف الحديث كما في مواعيد المستشفى لكن بكل أريحية في بيتي على مائدة من الطعام. عرفتهم على التمر و سورة مريم و كانوا متعجبين من خليط الأعراق الذي يرونه. فاسم العائلة بريطاني لكني أقدم لهم التمر الذي لا يعرفونه إلا مرتبطا بلاد شرقية بعيدة. بدأت مخاوفي تزول شيئا فشيئا و أحسنت الظن بربي أنه خلقني و خلق طفلتي و سوف يكرمني بولادة جميلة في بيتي. كان طاقم القابلات في مسار الولادة المنزلية في مدينتي خمسة، و بعد أن قابلتهم جميعاً و تعرفت عليهم في بيتي ارتاح قلبي لاثنتان منهم و دعوت الله من قلبي أن يكن هن الاثنتين (Vicky و Catherine) من نصيبي.

في هذه الأثناء كان مسبح الولادة موضوعاً في الصالة بجانب الباب، تعلمنا كيف نعبئه و كنا قد حددنا مكان الولادة. أحببت فكرة الماء للمساعدة على آلام الطلق – اشترينا مقياس حرارة و كانت المحافظة على درجة حرارة الماء من وظائف زوجي ليوم الولادة، بالإضافة إلى الاعتناء بعثمان و عالية. تعديت الأسبوع الأربعين و بدأت أخاف أني سوف ألد في المستشفى.

في الأسبوع الحادي و الأربعين بالضبط، استيقظت صباحاً لأحس بآلام المخاض. ذهب زوجي مسرعاً لشراء بعض المؤن و الكراسون (اشتهيته فجأة و كنت أعرف أني أحتاج طاقة للولادة – في ولادة عثمان و عالية منعت من الطعام بحجة أني إذا احتجت تدخلا طبيا فالطعام الذي أكلته سوف يكون مضراً – في الولادة المنزلية شجعوني على الطعام لأتقوى على الولادة) و بدأت أجهز الصالة لاستقبال صغيرتي. وضعت ملابسي أنا و دانية على جانب واحد و أحضرت التمر. أخفضت إضاءة الغرفة و كانت سورة مريم تتلى بهدوء. كنت أتوقف عن التجهيز إذا جاء الطلق و أتمسك بالدرج و أتنفس بعمق. اجتاحتني راحة عجيبة لم أشعرها في ولاداتي الأولى، فليس هناك طاقم طبي يرغمني على الاستلقاء أو البقاء في وضعية معينة، بل كنت في بيتي و في غرفة من اختياري محاطة بزوجي و أبنائي. لم تكن هناك روائح غريبة علي كروائح المستشفى، بل كنت أشم الكراسون الدافئ و الشاي الذي قدمه زوجي للقابلتين، و إلى يومنا هذا تذكرني رائحة الكرواسون الدافئ و الشاي بيوم ولادتي في بيتي.

في هذه الأثناء وصلا القابلتين – و كن Catherine  و Vicky اللاتي دعوت الله أن يكرمني بهن! لا أعلم كيف أعبر عن استشعاري لمعية الله لحظة وصولهن – بل ما إن رأيتهن حتى زدت يقيناً بأن الله سيكرمني و سوف يعينني. كنت أصعد الدرج و أنزل بالعرض فهذا يساعد الجنين على النزول إلى قناة الولادة و كنت أتوقف و أدع جسمي يقودني إلى الوضعية الأكثر راحة في كل طلقة، و لم أكن أعرف قبل هذا أن جسمي بإمكانه أن يدلني و يقودني إلى وضعية تريحه و تساعده على امتطاء كل طلقة تقربني من لقيا ابنتي فسبحان من خلقه! كانت أول ولادة لم أصدر فيها أي أنة بالألم – جل تركيزي في هذه المرة كان على التنفس و استقبال كل طلقة (استوعبت لاحقا أني كنت أثناء ولاداتي بالمستشفى أتصدى للطلق بسبب وضعية الاستلقاء المؤلمة فكانت بطبيعة الحال أكثر ألماً، أضف إلى ذلك إرغامي على البقاء مستلقية). لم يطلب مني أبداً البقاء في أية وضعية للفحص أو الجلوس أو الاستلقاء و إنما كانت القابلة تأتي إلي و تفحصني بخفة شديدة في مكاني الذي كنت قد استقريت فيه للمرور بالطلقة، و لم تكن الفحوصات تتعدى الثواني.

عندما بدأ ألم الطلق يزيد كان الوقت قد حان لدخول مسبح الولادة. دخلته و أحسست أن الحمل الذي أثقلني قد زاح. حملني الماء و خف الضغط الذي كنت أشعر به. كانت أول مرة لي داخل مسبح الولادة فبدأت أتفحص المسبح بين الطلقات و وجدت أن هناك عدة مقابض في مسبح الولادة للتمسك بهم أثناء الطلق – و قد ساعدني ذلك كثيراً. أما عن جو الغرفة فقد كانت الغرفة مظلمة و الصوت الوحيد المسموع كانت سورة مريم. أعطتني القابلة جهاز الغاز و الهواء وقت الدفع و كانت تتحدث معي بصوت مهموس إذا أرادت أن تسألني شيئا ثم تعود إلى طرف الغرفة كي لا تزعجني. كان جل تركيزي أثناء كل طلقة على لقيا ابنتي و كان الماء الدافئ برداً و سلاما عليّ.

قد تسألون عن صغاري عثمان و عالية. كانوا مع زوجي يقرؤون و يلعبون – سألوا عني فأخبرهم زوجي أني سآتي عندما تخرج أختهم إلى هذه الدنيا. لم أقلق عليهم لأنهم معي في نفس البيت و والدهم يتردد بين اللعب معهم و النزول إلى الصالة. و لعل بقائهم معي في البيت من أكبر أسباب ارتياحي و عدم شعوري بالقلق.

عندما كنت على وشك الولادة طلبت من زوجي المجيء – وضع زوجي لعثمان و عالية مقطعاً مرئيا عن السفر و نزل (لا يزال عثمان يتذكر هذه الفقرة إذا سئل عن ولادة دانية لأن استخدامنا للشاشات قليل بالذات قبل الجائحة). أتذكر وقتها أني سمعت القابلة تتصل بالإسعاف لتخبرهم أني على وشك الولادة و تخبرهم بمكاني بالضبط في البيت (ليصلوا بسرعة لو احتجت أن أنتقل إل المستشفى لا قدر الله). خرجت دانية إلى الدنيا و هي تسبح في الماء. بحثت عنها في الماء لبضع ثواني ثم التقطتها و ضممتها إلى صدري و بدأت بإرضاعها على الفور. و لمن يخاف من ابتلاع الجنين لماء المسبح، أذكركم بأن الجنين طول فترة الحمل يسبح داخل السائل المحيط به أصلاً، و لذلك فقد أودعه الله بانعكاس عضلي لا إرادي يمنع دخول الماء إلى الرئتين. و تختفي هذه الحركة العضلية اللاإرداية تقريبا بعد ثثلاثة أشهر من الولادة. 

 قطع زوجي الحبل السري بعد ساعة من ولادتها. كنت في حالة عدم التصديق أني ولدت في بيتي (أو بالأحرى مملكتي) كما أشاء في جو هادئ محاطة بأقرب الناس لي من غير توتر المستشفى أو وجود أشخاص لا أعرفهم، و من غير أن أبكي من الألم. أما القابلتين فقد بقيتا بعد الولادة قرابة الساعة للكشف علي و على دانية و التأكد من أن كل شيء على ما يرام. ذهبا بعد ذلك و بقيت أسرتنا الصغيرة لتستقبل أجدد فرد فيها.

لم نكمل الساعة الأولى إلا و قد أسمينا صغيرتنا “دانية”. ابتدئنا بعالية في وصف الجنة (في جنة عالية)، و ثنينا بدانية (قطوفها دانية). كانت أجمل عطية ربانية سنة ٢٠١٩ و أتت مع ولادتها بركات لم نكن نتوقعها. لأسأل الله أن يرزقنا حسن تربيتهم جميعاً و أن يحفظهم و يدخلنا بهم جنانه.

الولادة بعيدة عن الأجداد و الأسرة الكبيرة أمر صعب جدأ. صعب على الأم الوالد و صعب على الأبناء و صعب على الأب. و لكن الله بعث لنا أصدقاء بمثابة الأهل اعتنوا بنا و سافروا لأجلنا و أرسلوا لنا طعاماً، و لا جميل يرد إحسانهم لنا وقت حاجتنا.

أما عن إجراءات بعد الولادة، فقد كانت القابلتين تأتيان كل يوم بعد ذلك لمدة عشرة أيام للفحص، أحسست بعد ذلك بالقرب منهم فهما كانا معي في أشد حالاتي ضعفاً و قد رأيت منهم خيراً كثيراً. أعطيناهم هدايا بسيطة و رسائل امتنان. 

(أعلم تماما أن تجربتي مع الولادة المنزلية بها صلاحيات كثيرة لا تتوفر لكثير من الأمهات في كثير من الدول، فقد ولدت في بيتي لكن المستشفى قريب، و قد كانت هناك سيارة إسعاف على أتم الاستعداد للمجيء لو تطلب الأمر ذلك. كان في المنزل أجهزة طبية و قد حضر الولادة قابلتين مرخصتين لحضور الولادة. أعلم تماما أن الولادة المنزلية لكثير من الأمهات حول العالم تعني عدم توفر طاقم طبي و قد يعني الموت في كثير من الأحوال. في هذه الحالات يكون المستشفى غالبا هو المكان الأنسب للولادة.)

أتمنى أنكم وجدتم الفائدة في هذه القصة. كتبتها منذ زمن طويل و لكني ترددت كثيراً في نشرها. شجعتني متابعة لطيفة على مشاركة قصتي فاستخرت و رفعتها لكم.

أتمنى لكم يوماً جميلاً كجمال قلوبكم.

خديجة