صابون الكستناء

لما بدأنا دراسة علم الطبيعة في مطلع السنة، كانت أول خطوة هي احتضان شجرة بجانب منزلنا (الغرض من الاحتضان هو تفحص الشجرة خلال السنة و دراسة التغيرات فيها بين الفصول). كانت شجرتنا متواجدة ضمن مجموعة من الأشجار و لكنها كانت أعلاهن و أوسعهن تاجاً و أكثرهن ظلاً. ظننتها تشبه جدٍ حكيم يرعى الشجيرات الأخريات من شرور الطريق. لا أتذكر من اختار هذه الشجرة بالذات، هل كان عثمان؟ أم أن اختياري أنا وقع عليه. لم نكن نعرف اسمه أو نوعه يوم ذاك، كانت فقط ‘شجرتنا’. بعد أن اخترناها، نظرنا إلى براعمها إذ كنا في فصل الشتاء، تحسسنا جذعها قليلاً، ركضنا و لعبنا حولها، ثم عدنا إلى بيتنا. و في اليوم التالي، استعرنا دليل للأشجار من المكتبة، و اكتشفنا أن شجرتنا هي شجرة قسطل الخيل و أن بذرها هي الكستناء (غير مأكولة بالنسبة للبشر لكن الحيوانات تأكلها). كستناء قسطل الخيل! (the conker!) سمعت اسمها الإنجليزي كثيراً في صغري لكني لم أرها من قبل، إذ كان أبي يحدثنا عن ألعاب الطفولة التي كانوا يلعبونها بهذا النوع من الكستناء في بريطانيا و هم صغار. و لكن لأنني كبرت في السعودية، رأيتها للمرة الأولى هنا هذا الخريف.

تابعنا ‘شجرتنا’ بين الفصول. رأينا كيف تنمو الأوراق من براعمها حتى أصبحت أكبر من وجوهنا. رأينا زهورها البيضاء تزدهر في الصيف باتجاه السماء ثم تتورم إلى فواكه خضراء شائكة معلقة بين ثناياها.

ثم في أحد أيام الشهر الماضي، ذهبنا نتفحص ‘شجرتنا’ و وجدنا ثلاثة من فواكه الشجرة على الأرض و استخرجنا الكستناء! كان حماسي أكثر من حماس أبنائي! و منذ هذا الاكتشاف الأول و حبنا لهذا الكستناء لم يتوقف. نخرج كل بضعة أيام لنجمع الكريات الرخامية الساقطة في سلتنا، لأن هذا هو شكلها تماماً أول ما تُخرج من الفاكهة. كريات لامعة، رخامية، ملساء، لم يلمعها و يُجملها بشر. الفطرة التي أوجدها الله في الصغار تدعوهم أن يسألوا عن الصانع و الخالق الذي خلق هذا الجمال، و ما عليك سوى أن تقودهم إلى شاطىء التوحيد. تَعلّم التوحيد بأنواعه الثلاث من خلال علم الطبيعة أضاف جمالاً فوق جمال رحلتنا التعليمية، حتى أني بِتّ أرى أن هذه الطريقة الميدانية هي الطريقة الوحيدة لتعلم التوحيد، لأن الربط أمامهم واضح.

لا داعي للقول، لكن حصيلتنا الكستنائية باءت تُنذر بالسيل، و بدأت أبحث عن نشاطات تستخدم الكستناء. لما اكتشفت أن الكستناء هذا يحتوي على مادة السابونين )saponin) و هي تركيبة تصبح رغوية عندما تمتزج بالماء، جهزنا عدتنا لصنع الصابون الكستنائي. هناك طرق كثيرة حسب قراءتي، لكني اخترت أيسرهن.

بدأنا بطرق الكستناء بالمطرقة لينكسر قليلاً. صغاري وجدوا صعوبة في هذه الخطوة، فأتممت كسرها بنفسي.

لأن مادة السابونين مادة سامة، لم أُرِد استخدام أدوات المطبخ لهذا النشاط. كان لدي إناء مكسور لمحضرة الطعام فاستخدمته لطحن الكستناء كآخر استخدام قبل رميه.

ثم صببنا ماء مغلي فوق الكستناء المطحون. لم أعتمد أي مقدار معين مثل الطرق الأخرى على الإنترنت.

تركنا الخليط لمدة ساعة و نصف حتى تخرج مادة السابونين ثم نخلناه باستخدام قصدير به فتحات. لم تكن رائحة الصابون قوية، لكنها كانت رغوية.

استخدمته لغسل الملابس في اليوم الثاني. لم أرِد استخدامه مع الملابس البيضاء لأن الصابون فيه درجة من الصفار. زدتُ عليه قطرات من زيت أساسي و غسلت نصف كمية الملابس. وجدت الملابس المغسولة نظيفة إلى حد جيد إذ زالت كل بقع الزيت و الطعام و الألوان، لكن إن استخدمته مرة أخرى أتوقع أني سأزيد كمية الزيت الأساسي حتى تفوح رائحة الملابس.

و هذا هو النشاط الكستنائي الأول! نستخدمه أيضاً لأغراض أخرى كحبات للعد أو قطع مع الصلصال المنزلي. نراكم مع نشاط آخر!